التفتازاني

44

شرح المقاصد

والجواب : أنه لمصلحة تجددت وحصلت بعد ما لم تكن ، فإن المصالح تختلف باختلاف الأزمان والأحوال . فرب دواء يصلح في الصيف دون الشتاء ، ولزيد دون عمرو ، ولهذا أورد في التوراة أن آدم أمر بتزويج بناته من بنيه ، ثم نسخ وفاقا . وثانيهما : أن الحكم إما مؤقت مثل : صم غدا ، فنفيه بعد ذلك لا يكون نسخا ، وإما مؤبد مثل ، صم أبدا . فنسخه تناقض بمنزلة قولك : الصوم واجب أبدا « 1 » وليس بواجب . وإما مرسل لا توقيت فيه ولا تأبيد ، وحينئذ فإما أن يعلم اللّه تعالى استمراره ابدا ، فلا يرتفع للزوم الجهل ، أو إلى غاية ما « 2 » ، فلا رفع بعدها ولا نسخ . والجواب : أنه مرسل عن توقيت الوجوب مثلا ، وتأبيده ، والمعلوم عند اللّه استمرار الوجوب إلى غاية هي وقت نسخه ورفعه ولا تناقض من ذلك ، سواء كان الواجب مؤقتا أو مؤبدا بمنزلة قولك : صوم الغد أو الأبد واجب حينا دون حين . وإنما التناقض في رفع الوجوب بعد تأبيده ، كما إذا قيل : الوجوب ثابت ابدا ، ثم نسخ فيكون زمان لا وجوب فيه ، وهذا لا نزاع في امتناعه ، وهو المراد بقولهم : إن النسخ ينافي التأبيد ، وعليه يبتنى امتناع نسخ شريعتنا . والفرق بين كون التأبيد راجعا إلى الواجب ، أو إلى الوجوب مما يتضح بالرجوع إلى الأصل الذي مهدنا في بحث الرؤية في قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 3 » . على أن التحقيق أن لا رفع هاهنا . وإنما النسخ بيان لانتهاء حكم شرعي سبق على الإطلاق . وأما ثانيا ، فبطلان نسخ شريعة موسى ( عليه السلام ) لوجهين : الأول - أنه تواتر النص منه على تأبيدها ، مثل : تمسكوا بالسبت ابدا ، وهذه شريعة مؤبدة ما دامت السماوات والأرض .

--> ( 1 ) ليس في ( ب ) لفظ ( أبدا ) . ( 2 ) في ( ب ) تقتضي ذلك بدلا من ( ما ) . ( 3 ) سورة الأنعام آية رقم 103 وتكملة الآية وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ